الغزالي
77
إحياء علوم الدين
النّاس فقراءهم وأظهروا عمارة الدّنيا وتكالبوا على جمع الدّراهم رماهم الله بأربع خصال بالقحط من الزّمان والجور من السّلطان والخيانة من ولاة الأحكام والشوكة من الأعداء « وأما الآثار : فقد قال أبو الدرداء رضي الله عنه : ذو الدرهمين أشد حبسا ، أو قال أشد حسابا من ذي الدرهم . وأرسل عمر رضي الله عنه إلى سعيد بن عامر بألف دينار ، فجاء حزينا كئيبا ، فقالت امرأته : أحدث أمر ؟ قال أشد من ذلك . ثم قال : أريني درعك الخلق . فشقه وجعله صررا وفرقه ، ثم قام يصلى ويبكى إلى الغداة ، ثم قال . سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول [ 1 ] « يدخل فقراء أمّتى الجنّة قبل الأغنياء بخمسمائة عام حتّى أنّ الرّجل من الأغنياء يدخل في غمارهم فيؤخذ بيده فيستخرج » وقال أبو هريرة : ثلاثة يدخلون الجنة بغير حساب : رجل يريد أن يغسل ثوبه فلم يكن له خلق يلبسه ، ورجل لم ينصب على مستوقد قدرين ، ورجل دعا بشرا به فلا يقال له أيها تريد وقيل جاء فقير إلى مجلس الثوري رحمه الله ، فقال له تخط ، لو كنت غنيا لما قربتك . وكان الأغنياء من أصحابه يودون أنهم فقراء ، لكثرة تقريبه للفقراء وإعراضه عن الأغنياء وقال المؤمل : ما رأيت الغني أذل منه في مجلس الثوري ، ولا رأيت الفقير أعز منه في مجلس الثوري رحمه الله . وقال بعض الحكماء : مسكين ابن آدم ، لو خاف من النار كما يخاف من الفقر لنجا منهما جميعا . ولو رغب في الجنة كما يرغب في الغنى لفاز بهما جميعا . ولو خاف الله في الباطن كما يخاف خلقه في الظاهر لسعد في الدارين جميعا وقال ابن عباس . ملعون من أكرم بالغنى وأهان بالفقر . وقال لقمان عليه السلام لابنه : لا تحتقرن أحدا الخلقان ثيابه ، فإن ربك وربه واحد وقال يحيى بن معاذ : حبك الفقراء من أخلاق المرسلين ، وإيثارك مجالستهم من علامة الصالحين ، وفرارك من صحبتهم من علامة المنافقين . وفي الأخبار عن الكتب